السينما السعودية بعيون تونسية

السينما السعودية بعيون تونسية

مضت سنة تقريباً منذ بداية مشواري المهني في السعودية، مرّت سنة من المشاهدة والتمعن في المشهد السينمائي والصناعة السينمائية.

‎إلى جانب العمل على مجموعة محترمة من المشاريع، والاحتكاك بفاعلين في القطاع الثقافي والسينمائي والإعلامي هنا، سأحاول من خلال هذا المنشور أن أعبّر عن تجربة شخصية لتكون مرجعاً لكل غير سعودي يسعى، أو يحاول السعي، للتعاون في مشاريع سينمائية وسمعية بصرية هنا. وسأحاول أن أبدي رأيي في بعض المزايا والخصائص التي تميز الجو العام؛ محاولة مني ليتمكن كل شخص من فهم كيف تبدو الأجواء هنا. وكل الكلام المكتوب هو رأي شخصي وتجربة شخصية تحتمل النقاش.

‎الصدمة الأولى كـ”تونسي”:

‎بما أنني تونسي قبل كل شيء، ومع أول مشروع وأول احتكاك مع السعوديين، كم وجدت منهم من ترحيب وامتنان واحترام لكوني تونسياً. لم أفهم في الأول السبب، واعتبرته مجاملة ترحيبية، لكن مع النقاش وجدت أنهم يكنون الاحترام لكوني تونسياً لأسباب عدة؛ منها أن أغلب التونسيين الذين اشتغلوا في مشاريع سابقة هنا كانوا متعاونين جداً، ومهنيين جداً، وكانوا خصوصاً صادقين قولاً وفعلاً، وهذه شهادة منهم وليست مني.

‎فالكلمة التي دائماً أسمعها: “أنتم تختلفون عن كل من نعرفهم، أنتم مهرة في شغلكم”. هذه شهادة منهم أعتز بها، وأشكر كل تونسي ترك طابعاً طيباً في هذا البلد ومهّد الطريق لغيره، وأعاتب كل تونسي لم يكن صادقاً أو مخلصاً في شغله، وهو ليس منا.

‎الكلمة الثانية التي أسمعها منهم: “أنتم تشبهوننا”. لم أفهم في الأول كيف نحن نشبه السعودية؛ فالثقافة مختلفة، والمدارس الفنية مختلفة.. لكن بعدها فهمت أنهم منضبطون في شغلهم حد الجنون، وهذا ما نتشابه فيه حسب ظني، مع أن لدي احترازاً على بعض التونسيين الذين تعاملت معهم في السنوات الأخيرة من الجيل الجديد، حيث أصبح جزء منهم غير منضبط بعض الشيء لعدة أسباب يطول الآن مناقشتها.

‎نعم، فأغلب السعوديين الذين تعاملت معهم صارمون ومنضبطون في الشغل ويحترمون عملهم كثيراً، فالصورة الكلاسيكية التي رُسمت في ذهني قبل تعاملي معهم اندثرت.

‎اكتشفت فيهم حباً وتعطشاً كبيراً جداً للسينما والصورة حد الجنون.

‎اكتشفت أن الكثير منهم يملك ثقافة سينمائية وبصرية كبيرة جداً، وتساءلت: من أين لهم هذا وهذا البلد لم تكن فيه سينما ولا ثقافة سينمائية؟ لكنني تفاجأت واكتشفت أن السينما في هذا البلد لم تبدأ، كما يُتصور لنا، منذ تحولات الرؤية الطموحة لولي العهد محمد بن سلمان وفتح أبواب السينما في 2017 وكل الدعم منذ ذلك الحين إلى اليوم.

‎اكتشفت أن لهذا البلد تاريخاً مع السينما لم يكن معلناً ولم يكن ظاهراً لنا. تاريخ مع “سينما أرامكو”، تاريخ مع “سينما البيوت”. نعم، فالسينما في هذا البلد في فترة ما كانت مقاومة، كان هناك تاريخ لها، وكان هناك جيل تربى ونشأ على الأفلام ودرس السينما في جامعات أمريكا وفرنسا وألمانيا…

‎كنت محظوظاً جداً أنني تعرفت على هذا التاريخ الخفي وغير المعلن من خلال مواكبتي لإنتاج فيلم “ضد السينما” للمخرج علي سعيد، والذي يوثق تاريخ السينما السعودية الخفي. وأنصح كل من يريد أن يتعرف على هذا التاريخ أن يشاهد هذا الفيلم.

‎سعيد لأنني وجدت في شخصيات الفيلم، ووجدت في الكثير من السعوديين الذين تقابلت معهم، حباً وثقافة سينمائية كبيرة.

‎سعيدٌ لأن قيادات هذا البلد تسعى جاهدة لترسيخ ثقافة سينمائية وحياة ديناميكية سينمائية داخله، من خلال دعم وخلق مبادرات مثل هيئة الافلام، الصندوق الثقافي، فيلم العلا، المهرجانات السينمائية البحر الأحمر، مهرجان أفلام السعودية وأخيرها جامعة

‎الرياض للفنون وغيرها من المبادرات والمؤسسات الكثيرة …

‎مع أنني أتمنى أن يشمل الدعم لاحقاً المبادرات الفردية في تأسيس وخلق نواة سينمائية للجيل القادم في المدارس والأحياء والقرى والأرياف؛ فهؤلاء الشباب والأطفال الذين تغرسون فيهم حب الكاميرا منذ الصغر، في وقت قادم، سيكونون مخرجي ومنتجي الغد، يحملون السينما السعودية -إن شاء الله- إلى صدارة المشهد العربي والعالمي.

‎في اعتقادي، الأعمال الكبيرة والإنتاجات الضخمة اليوم مهمة للترويج لصورة البلد سياحياً وثقافياً، وأيضاً الاستثمار في جيل الشباب هو الأهم. فالأعمال الجيدة، والتي تحتفي بها المملكة السعودية اليوم في ترشيحات الأوسكار، نابعة من فكرة وثقافة سينمائية عميقة لا تحتاج إلى تمويلات ضخمة (مع أنها مهمة)، لكن الاستثمار في جيل الغد هو الأهم.

‎جزء بسيط من الشباب الذين قابلتهم وتحدثنا في بعض المشاريع، متسرعون بعض الشيء ومتحمسون لتصوير حكاياتهم، لكن للأسف لا يمتلكون المعرفة والأدوات التقنية والفنية الكافية للإخراج أو حتى للإنتاج.

‎يؤسفني كثيراً أن تكون لهم خيبات أمل في عدم ترشح فيلمهم لمهرجان، أو عدم جلب الإيرادات الكافية لتغطية الميزانية، أو تعاملهم مع بعض التقنيين غير الأكفاء وغير الصادقين الذين يكونون غالباً طامعين في الربح من الفيلم، مما يساهم في إفشال أعمالهم. فنصيحتي لهم: لا تتسرعوا في صناعة أفلامكم، حاولوا أن تؤسسوا نواة صغيرة من الأصدقاء الذين يشاركونكم نفس الشغف، وابدأوا بالتعلم والقراءة واكتساب فهم أعمق تقنياً وفنياً. فالتجربة في أفلام قصيرة ستمكنكم من صناعة أفلام طويلة عظيمة يوماً ما، ولا تنخدعوا بتقنيين أو منتجين لا يمتلكون الكفاءة ولا الصدق في العمل، لأن هذا الميدان للأسف يوجد فيه الكثير من المتملقين والمتحايلين.

‎إن الاستثمار في الجيل الشاب والأطفال أكثر، وفي النوادي السينمائية، هو الركيزة الأساسية لصناعة سينمائية واعدة في هذا البلد .

Back To Top
Theme Mode